محمد أبو زهرة
27
المعجزة الكبرى القرآن
ولقد أجيز في أول نزول القرآن أن يقرأ على لغات سبع من لهجات العرب كلها يمنيها ونزارها ، لأن رسول صلى اللّه عليه وسلم لم يجهل شيئا منها ، ولذلك روى البخاري أن القرآن نزل على سبعة أحرف نسخت ست وبقيت واحدة ، ويروى مسلم عن أبي بن كعب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان عند أضاة بنى غفار ( وهو غدير صغير عندهم ) فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، فقال : أسأل اللّه معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك ، ثم أتاه الثانية فقال : إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين ، فقال : أسأل اللّه معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك ، ثم جاء الثالثة فقال : إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقال : أسأل اللّه تعالى معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك ، ثم جاء الرابعة ، فقال : إن اللّه تعالى يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف ، فأيما حرف قد قرءوا عليه فقد أصابوا ، وروى الترمذي عن أبي بن كعب ، قال : « لقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل فقال : يا جبريل إني بعثت لأمة أمية منها العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط ، فقال لي : يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف » وهذا حديث صحيح . وقد قال القرطبي في كتابه الجامع الكبير لأحكام القرآن : « ثبت في الأمهات البخاري ومسلم والموطأ وأبى داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم » ، وهو الذي صرح فيه بأن عمر سمع هشاما يقرأ بحروف لم يسمعها ، فأخذه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقر ما قرأ هشام ، وأقر ما قرأ عمر ثم قال : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » . 14 - وإننا إذا تأملنا ما جاء في هذه الأخبار الصحاح ننتهى إلى أن العرب ما كانت تطاوع ألسنتهم حرف القرآن ، ففيهم الرجل الشيخ والمرأة العجوز اللذان جمد لسانهما على لهجتهما فلا يطاوعهما على النطق الصحيح بلهجة لم يعرفوها : ولم يلوكوها من قبل ، فكان لا بد أن تمرن ألسنتهم أمدا على لغة القرآن حتى تلين وتألف النطق بكلماته على اللغة التي بقيت . وتفسير الأحرف باللهجات أو لغات العرب ما بين مضرية وربعية ونزارية وقرشية وغيرها هو التفسير الذي اختاره ابن جرير الطبري ، وكثيرون من الرواة ، وهو الذي يتفق مع النسق التاريخي في الجمع الذي اضطر ذو النورين عثمان رضى اللّه تعالى عنه لأن يقوم به ، وارتضاه الصحابة ، وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : لو كنت مكانه ما عملت إلا ما عمل . ولقد ذكر القرطبي أن هذه الأحرف باقية في القرآن لم ينسخ منها حرف ، ولكني أرى أن النسق التاريخي الذي أشرنا إليه من قبل يوجب أن يكون حرف واحد قد بقي ، وهو لغة قريش ، وهو الذي كتب عثمان مصحفه عليه ، وكان من قبل مكتوبا عليه كما